الاحتظار
عربة
سوداء تطوف الشوارع مسرعة بعد منتصف الليل
، تتوقف عند نهاية الجسر ترجل منها ثلاث
، نزعوا عنه طوق فضي ، ووضعوا عليه أشارتين
وغادر الأثنان مسرعين،
نادى
باعلى صوته لماذا. الى أين ؟ ، سنوات البؤس تمضي
بنا نحو المجهول، اغتراب يضيق حدود النفس
عندما نحيا بعيدا عن كل شي، داخل اسوار
الموت في متاهات الأقبية وظلمة الطوامير...
جنون
مطبق عالم كابوسي لا فكاك منه فقط عجلة
الموت تدور لوحدها بشراهة مزمنه !
لتعلن
الحياة عن موعد أقترابها رويدا رويدا من
نقطة التلاشي. فيصبح
الحفاظ على نبض القلب يوماً أخراً، ضربً من
البطولة ؟ بهذة الكلمات صاغ بيانه الأخير
حين فاضت خوالج صدره وهو مسجى فوق كومة
الأشواك الندية بالقرب من نهره العتيق،
وذاكرة الأوجاع تنزف حزنا وكمدا لتخطط
وسط رماله الذهبية ينبوعا متدفقا من
ينابيع الحياة وهي تتفجر ظلما على تلك الشواطى
المستباحه. طاف ببصره نحو الافق البعيد
القريب ، عبر الزمن لمح العصافير تهجر
اعشاشها رمت سحب الظلام استارها ،لا شي
سوى بقايا زوارق متآكلة ، كفنت باشرعتها
وشباك ممزقة قد بعثرت الريح اقدارها
واقتلعت اوتادها...
ترقد
ساكنة تروي بصمت ماضيها الجميل ونهارها
البهيج وسحر ليلها المتلألأ وتلك الوجوه
النظرة بسواعدهم السمر تعانق الضفاف مع
الفجر بخشوع ، لتحلق ارواحهم مع نسمة
الصباح عالياً، كسرب حمام يطوف بين الطين
والماء، ليعودوا فرحين بما منحهم النهر
من رزق وفير.
هكذا
تداعت ذاكرته المرتدة بمشاهد كانها شريط
سينمائي والجمهور كان هو فقط وحده .!!
كل
ذالك
قبل
ان يصطادوا النجوم لتنحر كقرابين على
اعتاب معابدهم ، قبل ان يكبل القمر بسلاسلهم
ويرمى خلف القضبان، يوم دفعو افاعي الماء تقتل الاطفال وهم يستحمون تحت ضوء القمر، لتمتص دماء الحالمين...
اشاح
وجه الصبح بالليل بعيداً..لاحت
امامه طيور النورس وهي تحلق فوق النهر من
جديد..رفع
عينيه نحو النوارس ارتسمت على محياه
ابتسامة هادئه تترنح وتذوب ثم تتلاشى في
فمه المؤطر بحمرة برتقالة داكنة وكانها
بقايا دم متخثر.اجل
ايتها البيضاء عودي من اجلنا ومن اجلي
واتخذي من ضلوعي حجرا ومن احشائي عشا
بغيابك تكاثرت الغربان واستأسدت الجرذان
علينا ظلما...فعودي
من اجلنا ..
عودي،اجتمع
المارة حوله وعلامات الحيرة بادية على
وجوههم متسائلين ببلاهة وعيونهم متسمرة
عليه تحتضنه بسكون وشئ آخر غامض معها.
ماذا
حدث وما يجرى هنا ومن هذا.؟
اهو
نائم ؟
كلا
. !
اهو
غريق ؟
لا
اظن . !
اذا
هو منتحر .
؟
عندها جاء
صوت ذالك الشيخ العارف الموشح بالبياض جازما
لقد
انتحروه ...
انتحروه
.